المدنيةمقالات الذين يهينون الربيع العربي


السبت 10 يونيو 2017 10:03 مساءً

عيدروس النقيب

الذين يهينون الربيع العربي

ما زلت أؤمن أن ثورات الربيع العربي قد جاءت استجابة موضوعية لمجموعة من الأورام والتقيحات الاجتماعية والاقتصادية التي عانت منها أنظمة الحكم التي ربضت عقودا طويلة على رقاب ومصائر عشرات الملايين من المواطنين في بلدان تلك الثورات.

لا يمتلك الذين ينسبون ثورات الربيع العربي إلى هذه الدولة أو تلك أو إلى هذه الحركة السياسية (المتآمرة) أو تلك دليلا على ما يقولون، فالآلاف الذين ضحوا بأرواحهم في مواجهة أجهزة القمع والقتل والتصفيات الجسدية لم يكونوا محرضين من هذا الطرف أو ذاك أو هذه المنظمة أو تلك، ولم يحرضهم سوى القهر والجوع والبطالة المصير المعتم الذين ينتظرهم في ظل تلك الأنظمة العاجزة عن كل شي إلا عن الفساد والقمع.

لقد شاخت أنظمة الحكم التي فشلت في إدارة أصغر الملفات في بلدانها كملف الفقر والخدمات، ناهيك عن توجه تلك الأنظمة (الجمهورية اسما) إلى إقامة أنظمة وراثية موغلة في الديكتاتورية والفساد والتخلف وكان انهيارها أمرا مسلما به ولو لم تقم ثورات الربيع العربي لانهارت تلك الأنظمة حتميا لعجزها عن مواصلة الحياة بشكل طبيعي ولتآكل عوامل بقائها من داخل أجسامها السياسية.

ربما تفاعلت بعض الدول مع هذه الثورات ودعمت بعض القائمين عليها وكثير من هذا الدعم كان مطلوبا ولا يمكن الجزم بأن اهداف هذا الدعم جاء من باب المؤامرة،  وربما حاولت بعض الأطراف أن تجد لها موطئ قدم هنا أو هناك، وربما فشلت النخب السياسية في تلك البلدان في التعاطي مع ثورات الربيع العربي وتحويلها إلى عامل تطور واستقرار ونهوض، وربما أودعت بعض المخابرات العالمية أصابعها الخفية لإفشال هذه الثورات وتحويل توجهها باتجاه ما سمي بـ(الفوضى الخلاقة) وربما تسللت منظمات وجماعات إرهابية لتستغل أجواء الثورات العربية وغياب الطليعة السياسية الناجحة في توجهها وتوجيهها لتحولها إلى أداة للفوضى والعبث ونشر الإرهاب،  . . . نعم كل هذه الربمات وأخرى يمكن وضعها في خانة الافتراض لأسباب فشل هذه الثورات في بلوغ غاياتها العظيمة في تحقيق الحرية والكرامة والنهوض لبلدان تلك الثورات، لكن نسب ثورات الانتفاضات العارمة إلى دولة أخرى أو حركة سياسية واحدة وتحويلها إلى مؤامرت من قبل هذه الدولة أو تلك الحركة إنما يمثل احتقارا لإرادة الشعوب الطامحة إلى الحرية والكرامة، وتكريما للحكام الطغاة الذين انتفضت شعوبهم في وجوههم ، وازدراءً لأرواح عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى الذين واجهوا جيوش القمع والإرهاب الرسمي بصدورهم العارية وأسقطوا أنظمة الاستبداد والفساد وأجبروا الطغاة على الاندحار والإقرار بإرادة الشعوب وزوال أحلامهم في بناء ممالكهم الوراثية رغما عن إرادة عشرات الملايين وفي مواجهة وقحة مع إرادة التاريخ.

وعندما يتواقح كويتب  متدرب أو نويشط سياسي تافه كان حتى أشهر يتملق مع علي عبد الله صالح وينافق ابنه المدلل أو يكتب على وسائل إعلام بشار الأسد أو بن علي أو مبارك أو معمر القذافي ليوصم ثورات الربيع العربي بالمؤامرة فهو بذلك إنما يكشف حنينه لسيده السابق وتمنيه العودة إلى زمن النفاق والاستجداء حتى وإن أعلن تأييده للشرعيات الجديدة التي أنتجتها ثورات الربيع العربي العظيمة.

التشهير بثورات الربيع العربي هو دعوة للتعاطف مع طغاة الجمهوريات العربية الوراثية الذين استهدفتهم هذه الثورات، وتبريرا لمحاولتهم العودة إلى الحكم بعد أن لفظهم التاريخ وكاد أن يودعهم السجون لولا غياب العدل والنظام والقانون.

 

*من صفحة الكاتب على فيس بوك





{anews}
{comments}