المدنيةمقالات العقل السياسي المتناقض لا ينتج سوى الخراب


الخميس 27 يوليو 2017 05:45 مساءً

بقلم: حافظ الشجيفي

العقل السياسي المتناقض لا ينتج سوى الخراب

يحتار المرء كثيرا عندما يرى او  يحاول تفسير ذلك 

الاختلال الواضح بين المواقف وردود الافعال التي يتبناها اناس يفترض انهم قادة فكر وقادة اوطان  مؤثرين في مسيرة الحياة السياسية والأجتماعية والثقافية و،هذا الاختلال الذي لا تستطيع ان تفسره من خلال تتبعك لخطهم الفكري وتصريحاتهم السياسية وبذلهم للافكار و الاراء النظرية التي كثيرا ما تتفق معها ثم لا تلبث في مفترق معين من الطرق ان تأتي مواقفهم متناقضة تماما مع مسار وسياق هذا التتبع الذي كان من المفترض أن يقيهم عند المحن من شرور المواقف المخاتلة والصادمة لكثير من الناس أصدقاء كانوا أم اعداء .

وهذا امر فيه مايكفي لان يجعلك تثق  بأن جل الساسة اليمنيين يفكرون بعقل في حين يمارسون بعقل آخر !!

نعم .. العقل الواعي فيهم يمثل تقاطعات الوعي مع النشاط الفكري والنقدي و يحسم الامور علي المستوي النظري لصالح منطق عقلاني محدد يتسق مع الحالة المعينة و لكنه في الوقت نفسه يستند في محنه و كبريات اموره الي عقل باطن حاسم في النهائيات يحتوي علي مخزون هائل من المواريث السالبة  المعطوبة في بؤر الخوف والطمع  والعقد و  مركبات النقص والحسد ليكون في نهاية المطاف هو المسيطر النهائي علي المواقف عبر تاريخ طويل من التنكب والاخطاء القاتلة .. عقل يخوض حروب سياسية كبيرة ويباشر معارك فكرية عالية ولكنه عندما يتقاطع مع المصالح الشخصية له يستدعي نوازع العقل الباطن السالبة فيتراجع ليحتمي بالعنصر والقبيلة والطبقة الأجتماعية .. نحن نفكر و نعقلن الثقافة ونشحنها بالمفاهيم المتقدمة من امثال المساواة والبحث الدائم عن العدالة الأجتماعية والانفتاح المدني والحداثة والتحضر  ونحميها بجهاز قيمي ضخم من الامثال والحكم والمفاهيم والقصص  ولكن في أول منعطف عملي نمر به او نجد انفسنا فيه تبرز سمات مخزون العقل الباطن ضد مكتسبات العقل الواعي فتتراجع تلك المفاهيم والمثل و تتبدل المواقف و يتم التخلي عن الحلفاء في الموقف والفكرة امام سطوة مخزون العقل الباطن المشحون بنوازع الانانية وشحنتها الاجتماعية التي تبحث عن تمجيد الذات فينا في سياقات الانا الذي  غالبا لا يتجاوز حدود الابناء والى الاسرة والقبيلة ضد ذات القيم التي جاهرنا بها في ازمنة وامكنة آخري كان الانتصار المجيد فيها للعقل الواعي في تقاطعاته مع عالم متحضر تقاس فيه المعاني والمبادئ باقترابها من قيم المساواة و الحرية للآخرين و العدالة الاجتماعية وأحترام الآخر  بل نذهب ابعد من ذلك في الحنث بكل ذلك انتصارا لعقلنا الباطني الموجه لمجمل خيبات حياتنا  لنحتكر الفرص التي سنحت لنا في المركز الوظيفي او القيادي الذي تبوأناه لمصالحنا الشخصية او لخوض حروبنا الانانية المشبعة بالعواطف صد الآخرين المشتركين معنا في نفس القبيلة وفي نفس الوطن وفي ذات القيم والوجدان  على ان الاسوأ والادنى من هولاء هو ذلك الذي يتنكر للاسرة والقبيلة فضلا عن تنكره لكل تلك القيم والمثل والافكار الايجابية الجميلة الراقية التي لطالما تشدق بها وادعى انه يتبناها ويعتنقها كفكرة مجردة من العمل..

 

..وحين نتكلم (كرموز) عن تحولات كبري في مفاهيم قواعدنا ومظاهر ثقافتنا ولكن لا نريد لهذه القواعد ان تتقدم قيد انملة الي الامام لان هذا يهدد مستقبل بقائنا كـ(رموز )مقدسين بالنسبة لتلك الجماهير المخدوعة فينا ،

نتكلم عن الثقافة والانفتاح  وندعي الاستنارة ولكننا نبث ادخنة الظلام في اول امتحان لواجبات الاستنارة والتزاماتنا تجاهها نفشل في ان نكون المثال والقدوة الحسنة والقيمة المعاشة روحا وجسدا وعقلا واعيا يهزم ويشذب موبقات الباطن الموازي .

.. نحن امام عقلين متضادين إذن لم نستطع تغليب المتقدم و المستنير والحامل لقيم الحداثة و التنوير  منهما على الاخر.. اننا نتعلم كنخب افضل تعليم  في ارقي الجامعات والبلدان  العالمية ونحتك بثقافات عظيمة  ونعود لممارسة دور شيخ القبيلة ونتبنى تقاليدها البالية وثقافتها الضيقة واخلاقها القاصرة  بكل زهو الذات القديمة المنبعثة من عقلنا الباطن المتشبع بثقافة القاصرين المكتنف بخليط من النوازع الاجتماعية والاخلاقية القبيحة التي نشجبها في المحافل الرسمية وفي تصريحاتنا السياسية وكتاباتنا الثقافية ورواياتنا الادبية ..بينما نحييها في الواقع الاجتماعي كفعل حيث ظلامات الممارسة التي تؤدي الي عدم الاعتراف بالقصور و الفشل في انجاز ثورة ثقافية حقيقية تخرج المجتمع قبل الوطن من كبواته الدائمة .

..يظل الحال هكذا الي ان نلتفت حقيقة لفك هذه العقدة  العويصة التي قيدت العقل عن انجاز مشروع بناء دولة تستوعب شعب متجانس ذو وجدان واحد مشترك متناغم مع نفسه يقينا يحميه من شر التمزق والفقر الدائم والتشرد والتعايش المر مع كوننا شعب محتقر بين شعوب الامة ..اي درك أسفل ساقنا اليه هذا العقل ذو الموبقات العظيمة المتورم بافكار الجاهلين واخلاق الحاقدين ..

..الي متي يظل عقلنا الجمعي والفردي الواعي اسير و مكبل بسلاسل مخزوننا التقليدي الآسن الذي يمارس علينا دوما خوفنا من بعضنا  وخوفنا من تبني مواقف جدية في مسار التغيير واحداث الثورة الحقيقية ’’ ليست ثورة تغيير الحاكم في المركز فقط و لكن ثورة التغيير الثقافي الحقيقي في انعتاقنا من موبقات العقل المشدود والمقيد بوثاق الموروث الأجتماعي و الثقافي و السياسي العتيق ونوازعه ( ثقافة القرية والقبيلة. ثقافة الحسد والحقد ثقافة الشعوذة وطلاسم السحر ثقافة الخوف من ان يكون احدهم اذكى مني او افهم مني او افضل مني او اكفأ مني او احرص مني على مصلحة الوطن والشعب )  لابد من الخلاص من تلك الموبقات التي آخرت قاطرة التحديث والحداثة في واقع حياتنا اليومية ودمرت الانسان اكثر من اي شى اخر  وقبل اي شئ آخر.. .نحن لم نكن ابدا ضحية فقط للمؤامرة والمستعمر و اجندة الخارج بقدر ماكنا ضحية طبيعية و منطقية لطريقة تعايشنا وانكفائنا في مغارة عقلنا الباطن واملاءته الضيقة التي تتحكم في وعينا و في اتخاذ قرارتنا الصائبة وما لم يتم الاعتراف بهذا الأمر و معالجته فلن يبقي جسدا البتة اسمه اليمن ليمارس حتي الترنح بين العقلين .

حديثي هنا ليس عن الآراء السياسية فالأمر يكاد يكون محسومًا بأن الكثيرين يمارسون القمع على افكار سواهم من منطلقات انانية .. لكن حديثي عن الحياة اليومية عن العادات الاجتماعية ومدى تقبّلها لأن تكون كسلوك «فعلي» بعيدا عن الكلام الذي اصم آذاننا طوال قرون مضت.من تاريخنا العربي الاليم..





{anews}
{comments}