المدنيةمقالات صراع اللامعقول واللامقبول


الاثنين 28 أغسطس 2017 04:26 صباحاً

بقلم/ سعيد النخعي

صراع اللامعقول واللامقبول

إليك أكتب أيها الإنسان المشرد في وطنه ، أكتب إليك وأنت تطوى سنين  عمرك متنقلا بين الجوع والخوف والمرض ؛ لاتملك من ماضيك ولا حاضرك سوى بقايا أحلام ممزقة ؛ كلما حاولت الاقتراب منها ابتعدت ؛ وكلما حاولت الدنو منها نأت بنفسها هاربة إلى غياهب المجهول ، في رحلة مضنية شاقة غريبة ؛ يسابق فيها الإنسان أحلامه فلاهي انتظرته ، ولا هو أدركها.

إليك أكتب دون غيرك ؛ يامن مضى الزمان والإنسان وخلفك وراء ظهره ؛ تاركا أياك فريسة للجوع ، والفقر، والمرض، لاتلوي على شيئ سوى أحلام بدائية حصلت عليها الحيوانات في حظائرها ولم تحصل عليها أنت  في وطنك.

المأكل ، والمشرب ، والعلاج ، والتعليم حقوق لم تعد هما، ولا مطلبا في عالم اليوم ، فقد أشبعت هذه الحاجات ولم يعد السؤال عنها اليوم مقبولا ولا معقولا ، فقد قطع  الإنسان مسافات طويلة في إشباع حاجاته الأولية  حتى وصل إلى مرحلة الترف.

لم يعد وضع اللامعقول واللامقبول قائما في أي مكان من العالم إلا في اليمن ، فالجوع ، والمرض ، والخوف  أبرز  معالم اليمن السعيد !

ظللت  المجاعة الخارطة الجغرافية لليمن ، والتهم الفقر كل ما ادخره الإنسان من مال ومتاع خلال صراعه  الطويل من أجل البقاء ؛ حتى لم يبق أمامه سوى بيع متاع بيته لعله يدفع بثمنه الزهيد شبح الموت عن نفسه وأولاده.

عجزت الشرعية  في عدن ، وعجز الانقلابيون  في صنعاء ، عن دفع مرتبات الموظفين مدنيين وعسكريين ...  وقفت الأولى عاجزة لاحول لها ولا قوة ، والأخرى مشغولة بمعركتها الكونية التي تخوضها عن الأمة ، فالمرتبات ليست أولوية مهمة بالنسبة لها كأولوية القضاء على أمريكا وإسرائيل ، وبين  الطرفين  يقف حملة المباخر من بقية الأحزاب والقوى السياسية التي وجدت في الصراع سوقا حرك بضاعتها المزجاة ، فجنت أمولا طائلة نقلت أصحابها من حياة التشرد والتسكع إلى حياة الأبهة والترف كما يفعل أصحاب مشروع  استعادة الدولة جنوبا ، ومشروع الحسم ودخول صنعاء شمالا ، ولأنهم جميعا لايستحون  لايزال كل منهم  مصرا إنه هو الأجدر بالحكم ، وهو الأولى بالسلطة ، في حين يصيح المواطن بأعلى صوته من يدفع راتبي هو الأولى والأجدر ، من يفتح أبواب المستشفيات لاستقبال المرضى هو الأولى والأجدر ، من يوفر الأمن للناس هو الأولى الأجدر ، وماعدى ذلك شعارات وأكاذيب شبعت منها حتى التخمة.

حضرت دول الخليج بجيوشها وغابت ملياراتها ، وكان أولى أن تحضر الأخرى ، وتغيب الأولى ، حضرت شعارات إيران الثورية المتطرفة التي لم تدفع شبح الفقر عن شعبها ، واغلقت كل أبوابها إلا باب الشعارات والموت لايزال مفتوحا.

أغلق العالم أبوابه دون اليمنيين ، وتركهم فريسة لصراع مشاريع اللاعودة ، فلاهادي سيعود حاكما لليمن من صنعاء ، ولا جماعة مارقة مغامرة صغيرة ستحكم اليمن ، ولا عفاش سيأخذ زمنه وزمن غيره.

سيستمر  صراع اللامعقول واللا مقبول ، يتخذ من الأطراف المحلية  أدوات له ، ومن اليمن ساحة ، واليمنيين وقودا ، وسينتهي هذا الصراع باتفاق الأطراف الأقليمية دون رأي أطرافها المحلية، كما بدأ باختلاف أطرافها الأقليمية دون الرجوع لأدواتها المحلية.





{anews}
{comments}