المدنيةمقالات سقط أبو محسن ؛ فأبى محسن إلا أن يكون أول من يحتضنه


الاثنين 11 سبتمبر 2017 01:09 صباحاً

بقلم/ سعيد النخعي

سقط أبو محسن ؛ فأبى محسن إلا أن يكون أول من يحتضنه

قصة جمعت البطولة والمأساة معا  بطولة الأب ، وحسرة الفتى ابن الأثنى عشر ربيعا .

قصة تحكي حياة شعب يقدم التضحيات ولايدر ماهو الثمن الذي يقابلها ؟ وطابور طويل من الأيتام والأرامل ظنت عليهم الحياة بكل ماهو جميل فيها ، وجادت عليهم بأحزانها ومأسيها .

احتضنت  الغلام الصغير محسن معزيا ومواسايا إياه في استشهاد والده ، وحاولت أن اتصنع العزيمة  حتى لا أبكي أمامه ، فأرني الفتى ماهو العزم  والحزم على حقيقته ، ليقابل بها عزيمتي المصطنعة.

عظم الله أجرك ياولدي ، وأسأل الله أن يتقبل والدك في الشهداء ، استجمعت كل قواي حتى اكمل هذه العبارة ؛ وانعقد لساني  ، رد الغلام الصغير سنا ، الكبير عزيمة وشكيمة ، الحمد لله ياعم سعيد ، الحمد لله ، ثم استرسل منطلقا في الحديث يروي لي تفاصيل مقتل والده ، بينما أنا  منبهرا من رباطة جأش الغلام ، وهو يروي لي تفاصيل القصة ، ويصور لي مشاهدها ، وأنا منبهرا ، قاطعته من روى لك القصة ؟ فأجابني :  أنا شاهدت الحادثة بعيني ياعم سعيد ، أنا كنت راكبا معه فانزلني وقال اركب في السيارة التي خلفي ، حاولت أقناعه بالبقاء معه فنهرني انزل في السيارة التي خلفي ، نزلت من سيارته ؛ وركبت السيارة التي خلفه مباشرة ، انطلق والدي ؛  وانطلقنا خلفه  ؛ حتى وصلنا منعطفا فإذا  بالسيارة التي كان يقودها والدي تنفجر ، صحت أبي ، أبي ، هرعت  إلى المكان فوجدت والدي مرميا على جانب الطريق والشظايا قد نهشت جسده ...  إجابات تتوالى  سريعة ، لم يستوعب السائل إلا عناوينها ، أما مضامينها فقد كانت تذهب إلى أغور عقلي البعيدة ولا تعود لأنها لم تجد إجابات لها  ! ربما لضعفي وخوري  ! وربما لانبهاري برباطة جأش الغلام ! وربما تغير منطق الأشياء ، ومفاهيمها المتقررة عندي  ، وربما اصبحت  قناعاتي ، ومنطقي في محاكمة الأشياء  قديمة  ، فأصبحت أنا وما أحمله من مفاهيم خارج الزمان والمكان  كالمتاع الزائد الذي لا حاجة له !

قاطعته لحظه ،  لحظة ،  يا ابني ، سؤال أنته ايش وداك الجبهة ، فأجبني إجابة مقتضبة بلهجته البدوية السريعة ، ياعم سعيد أنا رحت عنده من شأن جيب  امراتب باطلع لمبيت راشن.

( رحت عند بوي باجيب امراتب من شأن طلع لمبيت راشن ) 

سطر فك رموز وطلاسم إجابات محسن السابقة التي عجزت عن فك رموزها ، وعجز  منطقي عن تحليلها ، وعجزت أحاسيس عن التعاطي معها .

ذهب أبو محسن بعد أن صال وجال في كل الجبهات ، سائق مدرعة ، اشترك في كل جبهات  عدن ، كان أحد أفراد الدفعة الأولى التي تدربت في إرتيريا ، واشترك في حرب تحرير عدن منذ بدايتها ، واصل المسير حتى وصل أخر رقعة تقف فيها الحرب منطقة العمري ، سقط هناك  ليلتحق باثنين من أخوته قتلا قبله ،  وبسقوطه أنتهى الجيل الأولى من الأسرة سريعا ، ثلاثة أخوة في الأربعين ربيعا ، ليستلم الرأية خلفهم الجيل الثاني الذي لايتجاوز عمر أكبرهم أثنى عشر عاما ، عزل من كل شيئ ، سوى من همم وهموم كبيرة  ينحتون  بأظافرهم  الصخر  من أجل البقاء  ، وعزيمة  يبحثون  بها بين أكوام المأسي علهم يجدون فرصة للحياة .

قصة البطل أحمد السيد ،  وابنه الغلام تجسد  حياة شعب بأكمله ، يموت أبطاله لأهداف لاتزال مجهولة ، رغم قناعة هؤلاء الأبطال أنهم يقاتلون من أجل الدين  والأرض ، وألآف الأطفال الذين فقدوا أباءهم في يمن  ينضب فيه حنان الأبوة يوم بعد يوم لتكتسي مساحاته -  شمالا وجنوبا - بالسواد ، يمن  تراجع فيه كل شيئ إلا طوابير الأيتام والأرامل فهي في إزدياد.





{anews}
{comments}