المدنيةمقالات عودة إلى القضية اليمنية


الخميس 07 يونيو 2018 01:22 صباحاً

فيصل علي

عودة إلى القضية اليمنية

"حتى لو غنيت أغنية سيئة و كان صوتي نشازاًً، لو أن الجميع لم يلتفت لما أقول سأقول و أكتب لنفسي لأجل أن تبقى هذه القضية حية".. 

 مولانا

خرجنا من الليل فجأة فإذا بالجحيم يحاصر أنفاسنا أينما اتجهنا، يقول قائل "أنتم السبب كنا بخير فقمتم بثورة أفسدت البلد"، يجانبه الصواب إلا قليلاً من وجع، كانت الدولة قد وصلت إلى نهايتها، و ما حدث كان منطقياً لإدراك ما تبقى منها، إزاحة رأس السلطة شيء طبيعي فهو مجرد خادم و موظف عام عند دولة الشعب، أو هكذا قال سبتمبر العظيم و آله الطيبون الطاهرون.

ثم أما بعد..

 الخروج من جدلية من أصاب و من أخطأ في هذه المرحلة هو الأصوب، فالبلد تعرضت لهزات عنيفة بفعل الإنقلاب، و الذي نعرف كلنا من نفذه و من تكفل بتمويله و من اُبتلى به و من يريد أن يستدرك ما يمكن استدراكه اليوم، ما يهمنا هو هذا الوجع اليمني الممتد من شريان الذاكرة إلى أوردة القلب المثخن بالجراح، كل الأحداث التي مرت مع إقترابنا من فهمها نحاول إعادة التموضع و النظر فيما آلت إليه الأوضاع.

القضية اليوم ليست أنا أو أنت فقط، و ليست المؤتمر و لا الإصلاح، و ليست مطلع و منزل و شمال و جنوب، بل هي اليمن بكل معضلاتها، لن نفلح في فهم القضية اليمنية ما لم نتأمل في تاريخ هذه الأمة التي عاصرت الأمم القديمة و أثرت و تأثرت و كانت حاضرة لا تغيب.

لفهم قضيتنا اليمنية علينا إدراك أهمية موقع بلدنا بين مواقع الأمم و الشعوب، جغرافيتنا ستخبرنا لما كل هذا الصراع الممتد من أواخر الدولة الحميرية قبل ألفي عام و اليمن لم تستقر لفترات طويلة و تم تغييبها خلال 1500 سنة، فلم تعد حاضرة باستقلاليتها و صفاتها الحضارية، كما أن صراع الفرس و الروم على هذه الأرض يذكرنا أن هذه الجغرافيا النارية غير قابلة للرضوخ لأحد، و أن هذه الأمة اليمنية تضعف و تنحدر و تنكسر لكنها لا تموت و لا تخضع.

يقول نبينا و أخونا محمد صلى الله عليه وسلم "كان هذا الأمر في حمير ويوشك أن يعود إليهم" قبل 1500 سنة لم يكن ينطق عن الهوى و يعلم تاريخ الصراع في هذه الجغرافيا و ما إليها من إمتدادات ديمغرافية.

و لفهم القضية اليمنية أكثر سنحتاج إلى معرفة تأثير هجرة النقيلة الرسي و أبعادها على تاريخ و واقع هذه الأمة التي عرفت التوحيد مع هود و تعبدت به الله مع صالح عليهما السلام، و نالت به معالي الذكر مع تبع العظيم، و وحدت الله مع موسى و عيسى و محمد عليهم السلام، إلى أن وصل هذا المشؤوم سيء الذكر ملقباً نفسه بالهادي فاعلاً فعل قطاع الطرق مستفيداً من بقايا الفرس "الأبناء" و خضوع همدان للتشيع و إنحرافات دعاة المظلومية الذين تحولوا إلى ظلمة من الرسي النقيلة حتى الحوثي الزنيم.

القضية اليمنية ليست مستحدثة و لا جديدة نادى بها الهمداني و نشوان بن سعيد الحميري، و حاول أعداء الأمة طمسها فأعادها النعمان و الزبيري إلى الواجهة، ثورة 11 فبراير 2011 هي أيضاً أعادت القضية إلى الواجهة، وهذا سر بغضها من قبل البعض، و قالت بوضوح بالمساواة بين اليمنيين و أحقيتهم بالوصول إلى السلطة و التي كانت محصورة في جهة و في قبيلة و في عشيرة و عائلة فهل أخطأت الثورة؟! حاشها أن تفعل..

لا أوجع من التشرد -الذي تسبب فيه إنقلاب الهاشمية السياسية المدعوم من قوى الشر- إلا غياب القضية اليمنية عن أذهان الناس في الداخل و الخارج، أنت بلا قضية ما الفائدة منك و من حياتك و من كل جهدك و صراعك و تهافتك على الدنيا؟؟!!، لست سوى وهم إسمه أنت، كل الأمم التي مرت بها أحداث مؤسفة تغلبت عليها بتمسكها بحقوقها و فهمها لقضيتها، فهل نحن اليمنيون وصلنا إلى مرحلة فهم قضيتنا؟!

كل هذا الصراع في الداخل إن لم يوجه لصالح القضية اليمنية قضية الشعب الذي يكافح و يناضل لإستعادة وبناء دولته على أرضه فسيكون صراعاً عبثياً، كل هؤلاء المشردين في الداخل و الخارج إن لم يدركوا ماهية القضية اليمنية ستذهب عذاباتهم سدى و نضالاتهم بلا رجعة.

تقع اليمن في محيط عربي بلا قضية حقيقية، فكثير من الشعوب ليس لديها قضية فقط يدعون لفلسطين في صلاتهم و لا يدركون أنهم لا يعرفون عن هذه القضية شيئاً، لكن ما يدعو للتفاؤل هو أن الشعب الفلسطينى يدرك أكثر من غيره أبعاد الصراع في المنطقة ويعرف قضيته تماماً، وأقولها آسفاً إن شعبنا تائه عن قضيته والسبب نخبته التي ساهمت في وصوله إلى هذه الحالة من التمزق والغوص في كل التفاصيل الفرعية و نسيان القضية، قضية حق الشعب اليمني في إقامة دولته الحرة و المستقلة على أرضه.

وفي منافينا في بلدان الاغتراب لسنا سوى يمنيون بلا قضية أيضاً حالنا مثل حال أكثر من 30 مليون يمني تائه، حالنا المحزن ربما يتغير إذا فهمنا قضيتنا فعسى الله أن ينفعنا بحزن المنافي كما يصفه كريم العراقي:

"حـزنُ المـنافي تنامى في دواخلنا

حـتى كـأنا وُلـدنا في منافـينا

إنّا نـصـلي وإن الله يـسـمـعـنا

مما سـيأتي دعـونا الله يُنـجينا

قُل للمـقادير إن جارتْ و إن فـتكتْ 

 لـكم نهـضنا كـباراً من مآسينا"

نحتاج إلى إحصاءات فقط لعدد الهجرات اليمنية منذ ما قبل إنهيار السد في مأرب، الهجرات إلى المغرب العربي تعاقبت فمنها ما كان قبل 6 ألف سنة ومنها ما قبل 1300 عام، والهجرات تنوعت إلى الشام و العراق و مصر، و هجرات ما بعد الإسلام و التي لم تتوقف عند هجرة ملك اليمن ذو الكلاع الحميري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة و التي نزلت فيها سورة الفتح، أستمرت الهجرات اليمنية مع إمتداد الدول الثلاث الأموية و العباسية و العثمانية، و أستمرت مع وصول حملات الإستعمار، و منها ما يعود إلى عصر الإستقرار الذي أوجدته الدولة الرسولية، و ما تلاها حتى العصر الحديث هناك هجرات يمنية فردية و جماعية لم يدونها التاريخ، من هاجروا مع الدولة الغزنوية إلى الهند و من هاجروا بعدها إلى جنوب شرق آسيا هجرات يمنية بلا حصر، المطلوب منا فقط إحصاء الهجرات و محاولة إيقاظ اليمن في قلوب أبنائها السابقين واللاحقين "عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ".

لن يستيقظ هذا الشعب من غفلته بدون محرك حقيقي هذا المحرك ليس السلطة و لن يكون الإنقلاب بل هو أنتم يا ذخر هذه الأمة يا من تجمعكم القضية اليمنية، يحق لنا أن ندعوكم بإخوة القضية مهما تباعدت المسافات بينكم فأنتم إخوة في القضية اليمنية، و هذا الشعور المتنامي اليوم يحتاج إلى جهود جبارة تقتسم الهم و العرق، و تدفع الريال الواحد لتوفر بنصفه خبز للمشردين في الداخل و الخارج و بنصفه الأخر لصناعة الوعي اليمني، و هذا لا تصنعه دول و لا حكومات بل همم أكبر و طاقات أوسع و أكبر من السياسات القاصرة.

ماذا لو دفع الفقراء -و جل أهل اليمن فقراء- ريالاً واحداً عن كل فقير للقضية اليمنية ليعود نصف الريال خبزاً للمحتاجين و نصفه وعياً على الجميع؟! هناك طاقات يمنية جبارة، و هناك موارد مهدرة، و هناك عقول فارغة من القضية اليمنية، ماذا لو سكنت القضية اليمنية قلب كل يمني؟!

سنراهن على التحولات التي يصنعها الوعي الوطني، فالعقل اليمني يتطور أكثر من غيره من العقول، قلوب اليمنيين مملوءة بالرحمة و العاطفة ستتجه نحو الوعي بمجرد رؤية أول شعاع، سنخرج جميعاً من المعارك الصغيرة التي تسببت بها الأيديولوجيا المستوردة بمجرد يمننة القضية، وهذا يحتاج إلى الوقت و الصبر و قوة التحمل و هذه هي شيم يمنية خالدة و من سيصبر سينال مبتغاه.

كم لدينا اليوم من الاتحادات الطلابية في العالم، كم لدينا من الجاليات اليمنية في العالم، كم لدينا من اليمنيين الحاصلين على جنسيات أخرى، هؤلاء كلهم بإمكانهم المساهمة في صناعة الوعي، إذا كان من في الداخل مشغولين بالدفاع عن الأرض و محاربة الإنقلاب و التصدي للأطماع الشيطانية فبإمكان من سبق ذكرهم هنا خوض معركة الوعي و التبشير بالدولة اليمنية و رفع مستوى الوعي بالقضية اليمنية.

في هذه الليالي المباركة أسأل الله أن ييمنن قضيتنا و يوحد قلوبنا و صفوفنا على حب اليمن و أهل اليمن، وصيتي لك أنت و أنت تتناول تمرة إفطارك تذكر أمتك اليمنية بدعوة، و أنت تقوم الليل تذكر شعبك اليمني بدعوة طيبة.. اللهم إجمع شمل أهل اليمن و وحد صفوفهم و إنزع فتيل الفتنة من بينهم، و لا تجعل عدوهم ظاهراً عليهم و لا تمكن عدوهم منهم و وفقهم إلى حقن الدماء و لمّ الشعث و توحيد الكلمة و حب اليمن و العمل لأجل الدولة اليمنية و القضية اليمنية، اللهم حبب الوطن اليمني في قلوب أهل اليمن داخل و خارج البلاد، اللهم أزح هذه الغمة عن هذه الأمة و أرفع هذا البؤس عن هذا الشعب و إنصرنا جميعاً على أنفسنا أولاً وعاشراً ثم على عدونا و على كل من أراد طمس هويتنا و تمزيق وحدتنا و إنهاء دولتنا.. آمين





{anews}
{comments}