المدنيةمقالات الذوق شريعة وحضارة


السبت 28 يوليو 2018 11:08 مساءً

الشيخ / عمار ن ناشر

الذوق شريعة وحضارة

إن التحدي الأخلاقي والثقافي يقف اليوم جنبا إلى جنب مع سائر التحديات الحضارية الأخرى التي تهدد الإسلام والمسلمين ، فما ينتشر في مجتمعاتنا العربية بما يتنافى مع مقتضى الذوق العام في فن وحسن المظهر واللباس والنظافة والطرقات والعادات، أو أسلوب الكلام وأدب الحوار والخلاف والإنصات وطلاقة الوجه وضبط الغضب والتصرف والسلوك و التعامل مع الآخر ومراعاة المشاعر والنفسيات والظروف واحترام قيمة الوقت والوعد واعتبار مبدأ الأخوة ونبذ ثقافة الكراهية والعنف والحقد والتكفير والإقصاء والعصبيات و في المقابل ضرورة تعميم ثقافة الشكر والاعتذار والتراحم والتعاون وحسن الظن والتسامح فضلا عن اعتبار مؤسسات النظام والقانون..كل ذلك ولاشك تصرفات وثقافات غير حضارية وغير مدنية، وهي كذلك تتنافى وجمال وكمال الشريعة الإسلامية وتخلخل في تماسك المجتمع وتقدمه وسعادته واستقراره، و تنفر المنتسبين له فضلا عن خصومه المتربصين به، وتوفر لهم المادة والمبرر للإساءة إلى جمال الإسلام وصورة المسلمين. #- وقد أمرنا أن نخاطب الناس بما يفقهون و على قدر عقولهم حتى لايفتنوا ولايكذب الله ورسوله كما في الأثرين الواردين في الصحيح عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما.

وقد كان النبي يرسل (بلسان قومه) أي بلغتهم وثقافتهم كما كانت آيات الأنبياء ملائمة لتحدي عصورهم كما في التأمل في معجزات موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام،فهل نعي ونواجه تحديات عصرنا الحضارية الكبيرة اليوم؟ #- ربما عادت فوضى الذوق الخاص والعام اليوم إلى قصور او تقصير في مناهج التربية والتعليم على مستوى البيت والأسرة والمجتمع والبيئة والمدرسة كما تكرسها ثقافة وسياسة التجهبل والإفقار وغياب العدل والأمن والإعلام الهادف والصحة والتنمية، وهي سياسة (الفوضى الخلاقة) التي تعمد بذلك إلى فرض وصايا استعمارية غير خافية، وربما كان للوثة وجذور غلاة التصوف أثرها السيئ في تأصيل فساد الذوق بذريعة الزهادة في الدنيا والإقبال على الله تعالى والآخرة. #- إن اعتبار الذوق يرجع إلى كون الإسلام منهج حياة شامل لمصالح الدنيا والآخرة، و تنطلق مكانته من كونه متقررا بناء على اعتبار المبادئ والآداب والمعايير الأخلاقية ، كتأصله بناء على اعتبار الشرع لقيمة (الجمال) وفي صحيح مسلم: (إن الله جميل يحب الجمال) ويشمل جمال الباطن والظاهر حتى أقر الصحابة على محبتهم للجمال في ثيابهم ونعالهم . و كذا قيمة (الحياء) والتي هي قرينة الإيمان و من سمات أهل المروءة والشرف وعنوان الفضل والعقل، وفي الصحيحين : (الحياء من الإيمان). كما تنطلق من مبدأ (الإحسان) وهو إيصال النفع المادي والمعنوي للآخرين ،وقد صح عند مسلم : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء). حتى ذكر الإحسان في الذبح والقتل. ..والمتابع لسنته صلى الله عليه وسلم وسيرته وشمائله يدرك مدى عنايته بهذا الباب،فرغم عظيم عبادته وجهاده وزهده صلى الله عليه وسلم فقد صح عنه أنه (حبب إلي الطيب )، وكانت له حلة حمراء يتجمل بها للوفود ..قال البراء: (رأيت عليه حلة حمراء مارأيت شيئا أحسن منه) رواه البخاري .. ونحو ذلك كثير . .وأما الاحكام التشريعية لاسيما باب المعاملات فقد انبنى على اعتبار العلل ومقاصد الشريعة المنبني على المعايير الأخلاقية كما في سور النور والحجرات.

 وتضمنت سورة لقمان وصية لقمان لابنه بالتواضع وغض الصوت، وقرنت ذلك بالنهي عن الشرك بالله و الأمر بالصلاة. وكذا النصوص الآمرة بحفظ الحقوق كرد السلام وإتباع الجنائز ،وفي الأحكام الفقهية اشتراط الطهارة للصلاة ونهي من أكل الثوم والبصل عن شهود الجماعة ..وحتى الحرب في الإسلام أخلاقية، ولذلك ورد الأمر بالإحسان إلى الأسرى و النهي عن قتل رسل القوم والنساء والصبيان والرهبان. #- والذوق -كما قيل-سلوك الروح ،وهو قضية فطرية جبلت عليها النفوس والعقول السليمة ،وإنما بعث الرسول( ليتمم مكارم الاخلاق) وهي التي كان يُعنى بها عربُ الجاهلية كعنايتهم بأخلاق الكرم وحسن الضيافة والشهامة والمروءة والنجدة. #- وللعرف والعادات ارتباط ظاهر بالذوق ولذلك قرر الفقهاء أن (الجهل بعادات الناس من خوارم المروءة) وحكم بعض علماء الفقه و الحديث على مخالف المروءة بالفسق بما يستلزم رد شهادته وروايته. ومن قواعد الفقه :(العادة محكمة) وهي العرف العام غير المخالف للشرع، أي انها معتبرةشرعا كما في غير موضع (بالمعروف) وهو الذي تعرفه الشرائع والعقول والأعراف السليمة. وفي نظري فإن الموضوع هام ولولا مراعاتي للذوق لأطلت. لكن لنا أن نتساءل بحب وحزن: أفيجوز بصورة خاصة للخاصة من المنتسبين للعلم والإعلام والامن والسياسة ونحوهم أن يفرطوا بالعدل والشرع أو على الاقل أن يخلوا بالذوق في مجالاتهم الحساسة والخطيرة بعيدا عن المبادئ والآداب والمعايير الشرعية و الاخلاقية والعرفية والوطنية فيغرقون السفينة ويقودون البلاد إلى هذه الحالة الحرجة و المشينة؟ ربنا لاتؤاخذنا بذنوب أنفسنا ولابما فعل السفهاء منا يالطيف يارحيم.





{anews}
{comments}