الحوثية في اليمن: التحديات المهددة لعملية السلام

 بالرغم من تعدد الصراعات الاجتماعية والسياسية في اليمن، الا ان الميليشيات الحوثية ستبقى العقدة الرئيسية لكافة المشكلات والازمات والصراعات  حاضرا ومستقبلا. لذلك حينما ننظر إلى الحالة اليمنية نجد أن معضلة الطائفية السياسية ونظرية التفوق العرقي للسلالة الهاشمية المتجسدة حاليا في الحركة الحوثية، تكاد تكون المشكلة التاريخية المستعصية، التي لا تنفك عن الحالة اليمنية منذ ان تأسست الامامة الزيدية في صعدة اواخر القرن الثالث الهجري.

 هذه الورقة البحثية تحاول تسليط الضوء على ماهية الميليشيات الحوثية، ومسألة الطائفية الدينية، وكذلك العوامل الاجتماعية ذات الانقسامات القبلية العميقة، وتأثير العوامل السياسية والصراعات والحروب الداخلية، فضلا عن التنافس الحاد بين الاحزاب السياسية اليمنية وما ادت اليه من ترسيخ الاحقاد والكراهية، التي تعزز الرغبات الانفصالية بناء على اعتبارات جغرافية واجتماعية وطائفية، مع بيان الدور الايراني في تدعيم النزعات الانفصالية عبر وكلائهم الحوثيين.

تسعى هذه الدراسة للوقوف على الحالة الامنية، التي هي حجر الزاوية في العملية السياسية في الوقت الراهن، كون الميليشيات الحوثية تعتمد بالدرجة الاساس على الحرب، التي مكنتها من تحقيق مكاسب كبيرة جدا، ولذا فان هذه الورقة البحثية ستركز على مسألة سلاح الحوثيين ومدى استعدادهم لتسليمه وفقا لقرارا مجلس الامن الدولي رقم 2216 ومقتضيات عملية السلام المزمع تنفيذها بواسطة الامم المتحدة. بالاضافة الى ذلك تعالج هذه الدراسة مسألة استعداد الميليشيات الحوثية لدمج مقاتليها في الجيش الوطني والانخراط في العملية السياسية وفقا لمخرجات الحوار الوطني الشامل.

تسعى هذه الورقة البحثة الى الاجابة على الاسئلة التالية: هل اصبحت المليشيات الحوثية على قناعة بأن الانخراط في عملية السلام هي الطريق الوحيد لانهاء الصراع في اليمن؟ هل الميليشيات الحوثية باتت مستعدة لتسليم السلاح الى الحكومة الوطنية المتفق عليها من كافة الاحزاب والقوى السياسية؟ هل الحوثيين مستعدين للانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها بواسطة القوة العسكرية؟ ما مدى التأثير الايراني على القرارات الحوثية وعلى الوفد الحوثي المشارك في مفاوضات السلام المرتقبة؟

من هم الحوثيين؟

يمكن تعريف الحوثيين على انهم جماعية دينية شيعية سياسية مسلحة تقوم على ولاية الامام وفقا للطريقة الاثني عشرية على غرار النموذج الايراني. اكتشف العالم اسم “الحوثيين” لأول مرة عام 2004 مع ظهور حركة متمردة مسلحة تواجه القوات الحكومية اليمنية في محافظة صعدة شمال البلاد. وقد أخذت الحركة اسمها من اسم مؤسسها حسين الحوثي، نجل المرجع الشيعي بدر الدين الحوثي، إلا أن بداية الحوثيين كانت في عام 1986، عندما أنشأ بدر الدين الحوثي مع مجموعة من الفقهاء الزيديين “إتحاد الشباب” الذي كان يعنى بتدريس الطائفة الزيدية والحفاظ عليها. كان حسين الحوثي ووالده بدر الدين قد سافرا الى ايران واقاما في مدينة قم ثم ذهبا الى لبنان للقاء قيادات حزب الله، وهو ما يعني ان الرجلان تشربا الافكار الثورية الايرانية الخمينية. وفي عام 2000م، سيطر حسين الحوثي على قيادة الشباب المؤمن، ليبدأ تحركاته المناهضة للحكومة اليمنية بذريعة مواجهة المخططات الامريكية والاسرائيلية ضد العالم العربي والاسلامي. أعلن الحوثي شعاره الجديد الذي استمده من الثورة الاسلامية الايرانية  "الله أكبر، الموت لامريكا، الموت لاسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للاسلام".

خاضت جماعة الحوثي حروبا ضد الحكومة اليمنية والجيش اليمني، راح ضحيتها نحو 30 ألف من الجيش اليمني. بدأت الحرب الأولى في يونيو عام 2004م وانتهت في سبتمبر، عندما قتلت السلطات اليمنية حسين الحوثي بتهمة التمرد وإنشاء تنظيم مسلح داخل البلاد. وأعلن علي عبد الله صالح أن الحركة تسعى لإعادة الإمامة الزيدية وإسقاط الجمهورية اليمنية. و امتد الصراع إلى الحدود السعودية اليمنية حيث شنت القوات السعودية في الحرب السادسة 3 نوفمبر 2009 هجوما على مقاتلين حوثيين سيطروا على جبل الدخان في منطقة جازان.  يُعلن المتمردين الحوثيين هدفهم باعادة إحياء الإمامة في اليمن ويرون وجوب أن يكون حاكم الدولة من السلالة العلوية (ذرية الحسن والحسين) ممن ينتمون الى الطائفة الزيدية، بل أشاروا بشكل صريح في الوثيقة الزيدية التي صدرت في العام 2013م أنهم الأحق بالحكم دونا عن البقية، فجميع أعمالهم مستمدة من تاريخ الأئمة الهاشميين الذين حكموا مناطق وسنوات متفرقة. ينتشر الحوثيون في معاقل الطائفة الزيدية، وبالتحديد في ست محافظات، تأتي محافظتا صعدة وحجة على رأسها، وتليهما محافظات عمران وصنعاء والجوف وذمار، في حين ينتمي أغلب سكان باقي المحافظات إلى الطائفة الشافعية السنية.

 

    حركة سياسية

  على عكس ما تُروج له اتجاهات عديدة، فإن ثمة مؤشرات تكشف عن أن الحركة الحوثية سياسية أكثر منها دينية، منها أنها تضم عناصر تنتمي إلى طوائف أخرى، فضلا عن أنها لم تعتمد على المكون الديني فقط في دعم نفوذها وسيطرتها على المشهد السياسي؛ حيث ساعدتها في ذلك عوامل عديدة ربما لا تتصل بشكل مباشر بخطابها الديني، على غرار التحالفات القبلية والسياسية والإمكانيات المادية، إلى جانب التدخلات الخارجية. بالإضافة إلى ذلك؛ فإن تصاعد الدور السياسي للحوثيين لا يعني أن مجمل الطوائف الشيعية في اليمن، تتبنى خطابًا سياسيًّا؛ إذ لا يحتكر الحوثيون خريطة الطوائف الشيعية اليمنية، حيث توجد طائفة شيعية أخرى هي الطائفة الإسماعيلية التي تتركز في مناطق مثل حراز بمحافظة صنعاء وعراس والعدين في محافظة اب، إلى جانب منطقة أخرى بالقرب من الحدود مع السعودية، وتمثل ما نسبته 2% من إجمالي عدد السكان، ولكنها لا تتبنى أي نشاط سياسي، كما أنها تمارس طقوسها الدينية بمعزل عن أي مؤثرات أو نزعات طائفية.

   ورغم أن ثمة حرصًا من جانب الحوثيين على نفي انتمائهم إلى الاثني عشرية الجارودية؛ فإن الملازم التي وضعها حسين الحوثي تدحض ذلك. فعلى سبيل المثال يقول حسين الحوثي في إحدى ملازمه: "إن السنة مهزومون عبر التاريخ لأنهم لم يوالوا عليًّا"، ويضيف بعد ذلك: "ومن الحماقة أن نرتبط بهم أو نفكر بإمكان أن نتوحد معهم". فضلا عن ذلك، فإن الشعارات التي يتبناها الحوثيون إلى جانب إحيائهم بعض الاحتفالات، على غرار ما يسمى بـ"يوم الغدير" و"يوم عاشوراء"، والتي لم تكن موجودة في اليمن قبل ظهور الحركة - كلها تؤكد نزوع الفكر الحوثي كقيادة إلى الاثني عشرية، وهو ما يعني أن ارتباطهم بالزيدية هو ارتباط ظاهري، كون الزيدية طائفة شيعية هادوية لا تمت بصلة للاثني عشرية. وفقًا لبعض التقديرات؛ تتراوح نسبة الطائفة الزيدية ما بين 25-30% من إجمالي عدد السكان، وليس كل الزيود هاشميين، وليس كل الهاشميين زيودًا، إذ إن هناك هاشميين من آل البيت يعتنقون المذهب السني الشافعي، ويتواجدون في مناطق وسط وجنوب اليمن والمناطق الساحلية.

  ماذا يريد الحوثيون؟

  حرصت الحركة الحوثية، خلال فترة الحروب الستة التي نشبت بينها وبين الحكومة منذ عام 2004 وحتى عام 2010، على الترويج لفكرة "المظلومية"؛ حيث بررت اتجاهها إلى استخدام السلاح والعنف في مواجهاتها مع الدولة بـ"الظلم" الذي تتعرض له من قبل النظام السياسي الذي فرض قيودًا شديدة عليها، ومنعها من ممارسة شعائرها الدينية؛ إلا أن ذلك لا يبدو أنه يتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض التي تُشير إلى أن الحركة ربما تتبنى السياسة نفسها في تفاعلاتها مع الطوائف الأخرى. فمنذ يناير 2014، قامت الحركة بتهجير أول مجموعة سلفية سنية من منطقة دماج الواقعة في محافظة صعدة، وهو ما يكشف عن نواياها الحقيقية في محاربة الفكر المخالف لها، وقد مثَّل ذلك بدايةً لتمددها، وفرض شروطها على الدولة فيما يتعلق بإجلاء السلفيين من منطقتهم بعد تفجير دار الحديث التابعة لهم.

   وقد توسعت الحركة في مواجهاتها المسلحة؛ حيث سيطرت على محافظة عمران معقل قبيلة حاشد حتى وصلت إلى مركز المحافظة وألحقت أول هزيمة باللواء "310" الذي كان يُعتبر أقوى لواء في المنطقة الشمالية الغربية، وكان مقرًّا لقيادة المنطقة العسكرية السادسة، كما استولى الحوثيون على كل الأسلحة بما فيها الدبابات والصواريخ، وقاموا بنقلها إلى محافظة صعدة معقل الحركة في 7 يوليو 2014.  لكن الخطوة الأهم التي أقدم عليها الحوثيون، تمثلت في سيطرتهم على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014؛ حيث تحولوا إلى الرقم الأهم في المشهد السياسي اليمني منذ ذلك الوقت. ولكن الحركة لم تكتفِ بذلك؛ حيث أقدمت على إسقاط دار الرئاسة، في 21 يناير 2015، بما فيها من قوة عسكرية وسلاح حديث بمختلف أنواعه، في مشهد غير مسبوق في التاريخ العسكري اليمني، بل إنها قامت بمحاصرة رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي ورئيس الحكومة خالد بحاح بحجة فشلهما في تنفيذ اتفاقية "السلم والشراكة" ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، رغم أنها كانت السبب الرئيسي والعقبة التي حالت دون تنفيذ أيٍّ من تلك الاتفاقات الموقعة، وهو ما دفع منصور وبحاح للاستقالة نظرًا لعدم قدرتهما على إدارة شئون الدولة في ظل سيطرة الجماعة، وتحكمها في جميع مفاصل السلطة. لكن رغم سيطرة الحركة على مراكز السلطة في الدولة؛ فإنها -على ما يبدو- لم تكن تتوقع اتجاه الرئيس منصور إلى تقديم استقالته، فمن خلال معطيات الأحداث وعبر الآلية التي اتبعتها الجماعة منذ سيطرتها على صعدة مرورًا بعمران وحتى وصولها العاصمة، كانت هي المتحكمة في صنع القرار في كل المناطق التي خضعت لسيطرتها، بينما تحولت مؤسسات الدولة ومسئولو الدولة الرسميون إلى مجرد "ظل" لتنفيذ إرادة الجماعة وسياستها.

   يبدو جليا ان الحوثيين يريدون السيطرة على مناطق شمال اليمن من خلال القبضة الحديدية، مستلهمين التجربة الايرانية الخمينية، وهذا يعني ان شمال اليمن سيخضع لسيطرة ولاية الفقيه المرشد الاعلى للثورة الاسلامية الايرانية علي خامنئي، فقد عبر الوفد الحوثي الذي زار طهران في منتصف اغسطس عام 2019م، عن الولاء المطلق للخامنئي، جاء ذلك على لسان رئيس الوفد الحوثي محمد عبد السلام، عندما قال " ان ولاية خامنئي هي امتداد لولاية الرسول محمد والامام علي بن ابي طالب". وبالرغم من ان الحوثيين يصرون على انكار نزعتهم الانفصالية الهادفة الى اختطاف شمال اليمن وعزله عن بقية الوطن اليمني بل وحتى عن محيطه العربي والاسلامي، الا ان حديث زعيمهم عبد الملك الحوثي مع جمال بن عمر المندوب السابق للامم المتحدة الى اليمن قد كشف بكل وضوح اهداف ومخططات الحوثيين في اليمن في اللقاء الذي جمعهما في صعدة عام 2014م، وكان ذلك بحضور الدكتور احمد عوض بن مبارك مدير مكتب رئيس الجمهورية انذاك، حيث خاطب عبد الملك الحوثي جمال بن عمر قائلا " الشمال حقنا، حكمناه وسنحكمه ". في اشارة واضحة الى العهد الامامي البائد الذي كان قائما قبل اندلاع ثورة 26 سبتمبر عام 1962م.

 الحوثيين والصراعات الداخلية

من الواضح ان مستقبل اليمن سيكون ملوغوما بالصراعات الداخلية العميقة التي افرزتها المليشيات الحوثية، حتى وان توقفت الحرب الاهلية الدولية التي تقودها المملكة العربية السعودية، لأن الحوثيين قد اوجدوا شروخا عميقة في النسيج الاجتماعي اليمني على المستويات السياسية والاجتماعية والجغرافية. فعلى المستوى الجغرافي نلاحظ ان الحوثيين حاليا يخوضون حربا ضد الجنوبيين في المناطق الحدودية التي كانت قائمة قبل الوحدة اليمنية عام 1990م، وهذا بدوره ما سيجعل الجنوبيين اعداء تاريخيين للحوثيين في شمال اليمن، فضلا عن ان ذلك سيؤدي الى تعقيد الحلول السلمية بل وسيبقي بؤرا ملتهبة وقابلة للاشتعال في اي وقت بين الحوثيين والجنوبيين. وعلى المستوى السياسي نلاحظ ان الميليشيات الحوثية قد سيطرت على شمال اليمن بطريقة القبضة الحديدية، وبذلك تم استبعاد كافة الاحزاب السياسية اليمنية من المشاركة في السلطة والثروة وصناعة القرار السياسي. لذلك نجد ان كافة قيادات الاحزاب السياسية اليمنية تقيم الان في المنفى مثل الرئيس واعضاء الحكومة اليمنية. وهذا يعني ان سياسية الحوثيين ستؤدي الى استمرار الصراعات وعدم الاستقرار.

 من الواضح ان الحوثيين ادخلوا اليمن في اتون حرب طائفية لا يمكن السيطرة عليها بسهولة، كما لا يمكن اطفائها بفترة قصيرة او محو اثاراها، نظرا لان المجتمع اليمني متعدد المذاهب، حيث يوجد فيه مختلف التيارات الاسلامية مثل الاخوان المسلمين والسلفيين وهما الجناحان الرئيسيان اللذان تعرضا الى حملات وحشية من قبل الحوثيين، فقد تم تهجير السلفيين من دماج والاستيلاء على معاقلهم وايضا تم تهجيرهم من كتاف وتفجير مقراتهم ومساجدهم ودور القرآن التابعة لهم، واخيرا تعرض السلفيين الى مذبحة وحشية في منطقة حجور، حيث تم محاصرة المنطقة وقصفها بكل انواع الاسلحة مما ادى الى مقتل معظم القيادات السلفية من ضمنهم ابو مسلم الزعكري واستسلام واسر من تبقى منهم وتم اخضاع المنطقة بالحديد والنار. وبطريقة مماثلة تعرضت معاقل وقلاع الاخوان المسلمين في مختلف المحافظات الشمالية الى الاجتياح من قبل الحوثيين وتم الاستيلاء على جامعة الايمان وفروعها في مختلف المحافظات وكذلك تم الاستيلاء على المساجد ودور القران والحديث التابعة للاخوان المسلمين في كل المناطق التي سيطر عليها الحوثيين وما زال الطرفان يخوضان حربا شعواء في تعز والجوف ونهم والبضاء ومن الصعب جدا اخماد نيران العداوة والصراع بين الطرفان، مما ينذر باستمرا الصراع وتجدده في المستقبل.

 على الصعيد القبلي احدث الحوثيين شروخا عميقة في النسيج الاجتماعي اليمني، فقد سعى الحوثيين الى اهانة واذلال القبائل اليمنية، من خلال استهداف الرموز القبلية اليمنية البارزة واستبعادها من المناصب الحساسة ومن دوائر صنع القرار. تعامل الحوثيين بطريقة عنصرية بحته، حيث همشوا القبائل اليمنية واحتكروا الوظيفة العامة للعناصر الهاشمية وهذا ادى الى احداث شرخ في العلاقة بين اليمنيين والهاشميين، ومن المتوقع ان تؤدي هذه السياسة الى استمرار الصراع مستقبلا، خاصة وان الحوثيين شردوا الكثير من زعماء القبائل اليمنية، وكذلك قاموا بتفجير منازلهم والاستيلاء على ممتلكاتهم. ان قتل شيوخ القبائل اليمنية والتمثيل بجثثهم على ايدي الحوثيين سيشعل نيران الصراع الاجتماعي القبلي في المستقبل القريب والبعيد، نظرا لان معظم القبائل الخاضعة حاليا بالاكراه تنتظر الفرصة للانتقام من الحوثيين. لقد صنع الحوثيين لهم اعداء كثيرين ومتعددين وبذلك يستحيل عليهم العيش دون حروب وصراعات.

 استعداد الحوثيين للسلام

 بالرغم من التصريحات المتواترة التي يدلي بها مارتن غريفيثس المبعوث الخاص للأمم المتحدة الى اليمن عن استعداد الحوثيين للسلام، الا ان الواقع يشير الى عكس ذلك، فالحوثيين انفسهم رفضوا تنفيذ اتفاق السويد بشأن الحديدة وموانئها الرئيسية الثلاثة رغم مضي ما يقارب عاما كاملا على توقيع ذلك الالتفاق. من المستبعد ان يقبل الحوثيين باي عملية سلام مزمعة تقوم بناء على المبادرة الخليجية وقرارت مجلس الامن الدولي ذات الصلة ومخرجات الحوار الوطني. لكن من المرجح ان يقبل الحوثيين بسلام خارج اطار تلك المرجعيات، اي بعملية سلام تتجاوز ما كان مطروح في السابق ووتتعاطى مع الحقائق القائمة على ارض الواقع حاليا. الحوثيون يطموحون الى مفاوضات سلام تعترف بسلطتهم على المناطق التي سيطروا عليها بقوة السلاح على الاقل، رغم ان هناك تلميحات حوثية تشير الى ترحيبهم بمفاوضات سلام تضمن لهم السيطرة الكاملة على مناطق ما كان يعرف باليمن الشمالي (الجمهورية العربية اليمنية) قبل الوحدة مع اليمن الجنوبي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) عام 1990م.

 الاتجاه السائد حاليا هو ان المجتمع الدولي والاقليمي لا يدعم قيام دولتين مستقلتين في شمال وجنوب اليمن، ولكن يدعم قيام يمن موحد يسوده الامن والاستقرار مع ضرورة مراعاة الحقائق القائمة على ارض الواقع، والتي تتطلب التسليم بقيام مناطق حكم ذاتي مع وجود سلطة اتحادية تشرف على العلاقات الدبلوماسية والعلاقات بين مناطق الحكم الذاتي وتسمح للبضائع والمواطنين بالمرور والتنقل بحرية وبشكل قانوني بين المناطق. الا ان هذا التصور الدولي لعملية السلام في اليمن ما زال يصطدم برفض الحوثيين الذين يعارضون بشدة مناطق الحكم الذاتي، وكذلك المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يرفض تقسيم الجنوب الى مناطق حكم ذاتي ويصر على قيام دولة كاملة السيادة على الاراضي الجنوبية بحدود ما قبل 22 مايو 1990م. 

 هناك حاجة ملحة في اليمن لتطبيق الرؤية الدولية والاقليمية التي تدعم قيام عملية السلام بناء على الحقائق القائمة على الارض والتي تقضي بقبول قيام مناطق الحكم الذاتي مع وجود سلطة اتحادية تحفظ لليمن وحدته وسيادته واستقلاله وسلامة اراضيه، فالحوثيين من مصلحتهم منحهم منطقة حكم ذاتي في محافظة صعدة وما حولها لكي يتجنبوا مزيدا من الصراعات والرفض الشعبي المتزايد في مناطق سيطرتهم، بالاضافة الى ذلك يجب ادراك ان معظم مناطق شمال اليمن ليست شيعية ومن المنطقي ان لا تبقى تحت سيطرة الحوثيين، لكن تحقيق هذا المسعى يحتاج الى ممارسة المزيد من الضغوط الدولية، ومن المناسب للأمم المتحدة ومبعوثها الخاص اجراء تفاهمات مع الحكومة الايرانية بهذا الخصوص، فالحوثيون لن يقبلوا بأي عملية سلام، الا اذا وافقت طهران على ذلك. اما بالنسبة للمجلس الانتقالي الجنوبي، فان دولة الامارات العربية المتحدة قادرة على ممارسة الضغوط الكافية لاقناعه بقبول مفاوضات سلام تفضي الى قيام مناطق حكم ذاتي في الشمال والجنوب وتبقي اليمن موحدا تحت سقف سلطة اتحادية محدودة الصلاحيات.

 المشكلة الكبيرة التي ستواجه عملية السلام في حال وافق الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي على رؤية الامم المتحدة هي سلاح الحوثيين وميليشياتهم الهائلة، التي اصبح عددها مئات الالاف، فمن المتوقع ان يرفض الحوثيين تسليم سلاحهم او دمج ميليشياتهم في الجيش الوطني، ونظرا لان الحوثيين مثقلون بالخصومات والعداوات مع مختلف الشرائح الاجتماعية اليمنية، فانهم سيحافظون على سلاحهم ومليشياتهم لان ذلك بالنسبة لهم مسألة حياة او موت، ولذا نتوقع ان يصبح الحوثيين في اليمن كيانا سياسيا ذو ميليشيات مسلحة تشبه الى حد كبير حزب الله اللبناني. ومن المتوقع ان يستمر الحوثيين في تطوير اسلحتهم لضرب الاهداف البعيدة في عمق الاراضي السعودية، اذ تشير التوقعات الى ان السلام في اليمن سيمنح الحوثيين فرصة اكبر لمهاجمة السعودية في المستقبل. وفيما يخص سلاح المجلس الانتقالي الجنوبي التي حصل عليها من السلطات الاماراتية، فلا توجد مخاوف بشأن ذلك، حيث من المتوقع ان يستخدم ذلك السلاح في محاربة الجماعات الارهابية وفي علمليات ضبط الامن والاستقرار في المناطق التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي، فضلا عن استخدامها في صد هجمات الحوثيين حاليا او فيما بعد عملية السلام مستقبلا.

 توقعات وتوصيات

من المتوقع ان يستأنف المبعوث الخاص للأمم المتحدة الى اليمن جهوده الرامية الى انعاش عملية السلام بعد جمود طويل استمر ما يقرب من عامين، لكن على الوسيط الأممي مارتن غريفثس مراعاة التطورات الجديدة والحقائق القائمة على الارض، والتي تتطلب اشراك عدة اطراف في المفاوضات الجديدة مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، ومؤتمر حضرموت الجامع، والحوثيين، والحكومة الشريعة، والمؤتمر الشعبي العام جناح صالح، وجزب الاصلاح. يجب اشراك كافة الاطراف والكيانات السياسية الموجود على ارض الواقع وتمثيلها تمثيلا عادلا في مفاوضات السلام المرتقبة برعاية الامم المتحدة وبدعم من المجتمع الدولي والاقليمي. سيكون من الانسب تشكيل حكومة وحدة وطنية لقيادة المرحلة الانتقالية واستئناف العملية السياسية التي توقفت عند انقلاب الحوثيين.

من الافضل لدول التحالف العربي وخاصة المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة دعم خيارات ايقاف الحرب في اليمن واستئناف المسار السياسي مع الاخذ في الاعتبار عدالة القضية الجنوبية بما يخدم امن واستقرار المنطقة بعيدا عن الهرولة وراء النزعات الانفصالية او الاستجابة للاصوات المتشددة والمتعصبة، يجب الاخذ بعين الاعتبار مطالب الجنوبيين جميعا وليس النظر الى طلبات منطقة محدودة في الجنوب على انها كل الجنوبيين.

يجب تفهم مخاوف المجتمع المحلي في مناطق المهرة وحضرموت ومحافظة شبوة، كما يجب الاخذ بعين الاعتبار توجسات قادة الرأي في تلك المحافظات وتحفظاتهم على خطاب المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي بات ينظر الى تلك المحافظات على انها مناطق تابعة لنفوذه وسيطرته بطريقة استعلائية وديكاتورية تعيد الى الاذهان تجربة الحزب الاشتراكي المريرة وما رافقها من جرائم ومآسي وويلات.

يجب على دول التحالف العربي والأمم والمتحدة والمجتمع الدولي ادراك حقيقة الاوضاع في شمال اليمن، لان هناك ثمة فهم مغلوط ينظر الى الشمال على انه منطقة نفوذ حوثية ايرانية، لكن الحقيقة على العكس من ذلك، حيث ان معظم سكان الشمال يتبعون المذهب السني، فضلا عن ان هناك رفض شعبي واسع وكراهية متزايدة عند غالبية السكان، كما ان معظم مناطق الشمال هي في حقيقة الامر مناطق شافعية كانت في بعض الاحيان تخضع لحكم الاقلية الزيدية بواسطة القبضة الحديدية وليس بناء على الارادة الشعبية الحرة.

ان خريطة النفوذ في شمال اليمن حاليا تشير الى سيطرة ثلاث قوى رئيسية هي الحوثيين الشيعة والاخوان المسلمين السنيين وحزب المؤتمر الشعبي العام المعتدل جناح الرئيس الراحل علي عبد الله صالح. من المناسب لصانع القرار فيما يخص التسوية السياسية القادمة ان يأخذ بعين الاعتبار تقسيم الشمال الى ثلاثة مناطق حكم ذاتي بناء على التوصيفات السابقة من اجل تمثيل القوى السياسية تمثيلا عادلا، مع مراعاة اشراك الشباب والنساء والمجتمع المدني.

 

مقالات الكاتب