المدنيةمقالات أنتما الناس


الاثنين 03 يونيو 2019 12:36 صباحاً

بقلم/ سعيد النخعي

أنتما الناس

الناس لايستوون؛ كالمعادن وحجارة الأرض تماما: منها الكريم الثمين وهو النادر.ومنها مالاقيمة له وهو الأعم الأغلب،لذا يظل النادر عرضة للتزييف،فنسمع عن الذهب والياقوت والألماس المزيف لكننا لم نسمع عن الحجارة الرملية أو الكلسيةالمزيفة ولا بالزجاج المزيف .

 كلما لاح في الذاكرة مشهد من مشاهد الحرب؛ترتسم في ذاكرة الوجدان صورة رجل جاوز الثمانين ربيعا،عاد إلى الحياة حاملا بندقيته كما تركها أول مرة بعد أن الزمته السنون بيته، يتحلق حوله مجموعة من الصبية الذين أخذوا يتوافدون عليه من حواري عدن وأزقتها الضيقة، يحرضهم على القتال ويعدهم بالنصر،ويشنف أذانهم بصيحات التحدي، نصر لم يؤمن به حينها إلا الناس فقط، أما أشباههم فكانوا يرددون  أي نصر سيحققه جنرال عجوز بثلة من الصبية المغامرين، ألقوا سيوفهم وأسلحتهم الخشبية التي كانوا يطاردون بعضهم بها في أزقة وشوارع المدينة تاركينها خلفهم،ويمموا وجوههم شطر جبل حديد؛يمخرون سراديبه المظلمة ؛ليعودوا هذه المرة يمارسوا هوايتهم القديمة في أزقة وحواري المدينة،لكن بأسلحة حقيقة هذه المرة بعد أن تركوا سيوفهم وبنادقهم الخشبية القديمة .

ظل الجنرال العجوز متنقلا في أرجاء المدينة يردد هتافات النصر وصيحات التحدي،والصبية يرددونها خلفه حتى بعد أن التهم العدو مدينتهم ،ولم يبق منها إلا رقعة صغيرة،لم يفارقها الجنرال العجوز حتى سقط شهيدا مودعا الحياة حاملا بندقيته كما استقبلها .

 

مات الشيخ فحول من سيجتمع الصبية؟ قبل أن تسقط الراية من يد الجنرال العجوز  ألتقطها جنرال آخر، قادما من بلاد الضباب،أخذ يردد على مسامع الصبية نفس التراتيل التي كان يرددها صاحبه،وكأنها طقوس يتوارثونها،كما يتوارث الرهبان كلمات الأناشيد التي يرددها الرهبان في أديرتهم ومشائخ الطرق الصوفية في زواياهم .


كان هذا الجنرال النحيل يرسم لصبيته على الأرض خرائطا ذات خطوطا كثيرة متعرجة،كأنها بيت عنكبوت أحكم بنائه،كان الناس وهم قليل جدا ينظرون إلى هذه اللوحات التي كان يخطها الجنرال النحيل للصبية على الأرض بإعجاب شديد كما ينظر الفنانون إلى لوحة المونيليزا التي خطتها أنامل دافنشي قبل أكثر من أربعة قرون من الزمن؛ولاتزال لليوم محل إعجاب وتقدير. في حين كان أشباها الناس يظنون إن هذه البيوت العنكبوتية التي يرسمها على الأرض،ويتأبط نسخا ورقية منها،لاتعدو سوى لعبة خطرة ستؤدي بحياته كما أودت بحياة صاحبه .


ظل هذا الجنرال النحيل يرسم حينا وحين يمد ناظريه من بعيد إلى المكان الذي سقط فيه صاحبه يحلم بالعودة إليه.


 عاد الجنرال النحيل ووقف في المكان الذي سقط فيه صاحبه،عاد هذه المرة ومعه جموع من الناس،كبارا وصغارا،لقد التحق كبار الناس بصغارهم وأصبحوا جيشا مهابا يورث قراع نعالهم الخوف والرهبة في نفوس أعدائهم ،الذين أنكفئوا بعيدا خلف أسوار المدينة .

خلع الجنرال النحيل بزته المرقشة التي كان يظهر به حين كان يخط لوحاته على الأرض وسط الصبية،ولبس لباسه المعتاد،وعاد يتجول في أرجاء المدينة كما كان يفعل صاحبه،فالأول كان يحرض الناس على القتال والآخر يحثهم على إعادة البناء،أنها طقوس لايتوارثها سوى الناس ولايرثها غيرهم .


 انفجرت السيارة،انفجار ارتجت له المدينة،هرع الناس إلى مكان الحادث،وانصرف أشباههم عن المكان،صاح الناس لقد لحق الجنرال بصاحبه من نفس المكان وفي نفس الزمان،هل هذه صدفة أيضا؛كمصادفة التجوال في أرجاء المدينة؟ لا أنها طقوس خاصة بالناس،ولا يحسنها سوى الناس .

 

             سعيد النخعي

        عدن٢/يونيو/٢٠١٩م





{anews}
{comments}