إنهم يموتون جوعاً وقهراً

بيوتهم تشكو قلة الجرذان، وبطونهم خاوية، يملؤها صخب أحشائهم، وجيوبهم فارغة، وقلوبهم تتكدس فيها هموم الدنيا، ويومهم يمضونه على ظهر الذل، يتنقلون بين صاحب الدكان، وراعي البوزة، والصيدلاني، وصاحب الخضار، فيعودون بما يكفي لوجبة ذل ليوم، أو يومين، أتعلمون من هم؟ 

إنهم إخوانكم من العسكريين الذين تناستهم الحكومة بلا معاشات، ولم يلتفت إليهم من سيطر على الأرض، فظلوا يتلفتون يمنة، ويسرة، ولم يلتفت إليهم أحد، ولم ينجدهم أحد، ولم يمسح على جراحاتهم أحد، فيا لعظمتهم، وصبرهم، ويا لتقزمنا عندما لم نناصرهم، ولو بكلمة على ظهر صحيفة، أو عبارة مدسوسة في وسائل التواصل، فعشنا نأكل، ونشرب، ونتمتع، وهم يعانون، ويقاسون هذه الحياة الصعبة، والعيشة المريرة.

يا لحقارة بعض الناس ممن لم يلتفت لما يعانيه جاره، أو لما يعانيه أخوه، أو صديقه، فاليوم تدثرت المروءة، ونامت الغيرة، وتبلطج الذل، وسرحت ومرحت الفوضى في بلاد الحكمة، والإيمان، بلاد الأرق قلوباً، والألين أفئدة، فتخيلوا معي رب أسرة لا يملك من هذه الدنيا إلا معاشه ليعيل به أسرته، فيتوقف هذا الراتب الشهر، والشهران، والثلاثة، والأربعة، ولم ينصر هذا المسكين أحد، ولم يواسيه أحد، ولو بكلمة أمام أرباب السياسة الذين يتصارعون، ويجعلون معاشات العسكريين سلاحاً للنيل من بعضهم، فاللعنة على من جعل رغيف الخبز سلاحاً لمحاربة المساكين.

مرت الأشهر الأربعة والعسكريون يأكلون الحسرة، ويتجرعون مرارة الظلم، والحكومة، وخصومها يتفننون في محاربتهم حتى في معاشهم الذي لم يعد يساوي شيئاً في ظل الغلاء الفاحش، مرت شهور الحصار الأربعة، وظل العسكريون يتجرعون الآهات، وينامون، وهم يحلمون بالراتب، ويصحون وهم يسألون عن وعود عراقيب الفسبكة، فلقد غدا مسؤولو بلادنا مجرد مفسبكين على وسائل التواصل، فكل يوم لهم تصريح، وعندما تخيب تصريحاتهم، ينفون تلك التصريحات، أو يتحججون بحجج واهية، هي أوهن من بيت العنكبوت، فيا لحقارة من تلاعب برغيف المواطن.

صامدون، ولكنهم يعانون، أولئك هم إخواننا العسكريون الذي أذلتهم الحكومة، وخصومها، فماذنبهم؟ وما جريرتهم، ليذوقوا هذا الذل المبين؟ تباً لكم يا من قطعتم معاشاتهم، تباً لكم، ثم تباً تباً، ماذنب الأطفال؟ ماذنب النساء حتى حرمتموهم من رغيف عيش يابس؟

أيها الصابرون، أيها العسكريون، سامحونا فقد خذلناكم، وأنتم من تبيتون على قمم الجبال، وفي بطون الأودية، وعلى الثغور، لحمايتنا، فلم نستطع مناصرتكم، ولو بمنشور عابر، لعله يوقظ ضمائر أصحاب الفنادق، وأصحاب الكروش الكبيرة، لعلهم يفيقون، لتسليم معاشاتكم، فتحية لكم، فرغم معاناتكم إلا أنكم تقومون بواجباتكم لحراسة هذا الوطن، وسيأتي الفرج بإذن الله، وسيذهب الظالمون.