ثلاثة مبعوثين إلى اليمن وثلاثة جنرالات إلى الحديدة.. هل تحاول الأمم المتحدة الالتفاف على قراراتها الدولية؟

المدنية أونلاين/كتب/محمد الجماعي:

أخيرا قررت الحكومة اليمنية إيقاف أي مشاورات سياسية مع الحوثيين وتعليق عمل الفريق الحكومي في لجنة تنسيق إعادة الانتشار الأممية بالحديدة، إدراكا منها بأن الأمم المتحدة فيما يبدو لم تعد تكترث لهيبة الإرادة الدولية.

ربما ذلك ما لم يكتشفه مؤخرا السفير السعدي مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، الذي قال في مداخلته الأخيرة بمجلس الأمن إن على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الاضطلاع بأدوارهم ومسئولياتهم في اليمن وإجبار المليشيات الحوثية على تنفيذ الاتفاقات وإيقاف أعمالها العسكرية العدوانية، كتحدٍ صارخ لجهود الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

ذلك ربما هو جزء بسيط مما فشلت المنظمة الدولية في الحفاظ على أي اعتبار لها كناظم دولي يصدر قرارات أممية ضد الدول ويضعها تحت البند السابع حتى!!. وفي اليمن نحو 30 برنامجا (إنسانيا!) من شأنها أن تتوقف عن العمل في اليمن إذا حسمت الأوضاع لصالح طرف ما. وهو ما ينبغي التركيز عليه دوما أثناء قراءتنا لمسار عمل الأمم المتحدة في البلدان التي تتدخل فيها، وتعين فيها مبعوثين برتبة مساعدين للأمين العام للأمم المتحدة.

ثلاثة مبعوثين إلى اليمن منذ نحو تسع سنوات تدرجت فيها هيبة الأمم المتحدة لدى عامة الشعب اليمني من مستوى أعلى إلى "متوسط" إلى "ضعيف"، بعد فشل مبعوثها الأخير (مارتن جريفتث) في مهمته المنحصرة أصلا في إيقاف زحف الجيش الوطني والشرعية على مدينة الحديدة. والحديدة وحدها ظلت هي المسرح الوحيد لعمليات المبعوث البريطاني العجوز، وبينها وبين صنعاء ظلت لاحقا هي خط السير لعشرات المرات، حتى بعد الصفعة التي وجهها له الرئيس هادي برفض مقابلته ونزع ثقته به، مرة في مكتبه بقصر المعاشيق بعدن، وأرى في مقر إقامته في الرياض.

الضمانات التي قدمها أمين عام الأمم المتحدة لقبول عودته مبعوثه وتأكيده ثقته به مرة أخرى، لم تسهم في شيء ذا بال على صعيد الثقة بغريفتث الذي ومنذ الوهلة الأولى لاستلام مهامه قام بصياغة مسودة اتفاق ساوى فيها بين الشرعية والحوثي، مخالفا إجماع الأمم المتحدة وقراراتها، وكان واضحا في أول لقاء له بالرئيس هادي بعدن أنه أعاده إلى نقطة الصفر موضحا له بأن عليه أولا وقبل كل شيء أخذ الإذن من الرئاسة اليمنية إذا أراد السفر إلى صنعاء!!.

انكشاف جريفيث المغرد خارج سرب المنظومة الأممية والمرجعيات الثلاث التي تسعى لتنفيذها واقعا على الأرض، كان واضحا منذ البدء، فشخصيته تختلف عن سابقيه حتى من حيث السمت واللامبالاة والإسهال في طرح المبادرة تلو الأخرى وعدم استطاعته التقدم في أي منها، لكنه مضى في تسويق الوهم حتى وهو يعرف أنه لم ينجز شيئا.. لا أدري لماذا يتصرف مسئول دولي بهذه الخفة للدرجة التي تجعله يعلن نجاح مشاورات السويد من طرفه هو فقط، ويحرص على لقطة لمصافحة ممثلي الشرعية والحوثيين، في ختام المشاورات الفاشلة والتي تمخضت عن تفاهمات ولم يوقع أي الطرفين على شيء!!

هب أن الرجل نجح صوريا في وضع الطرفين كل في وضعه الطبيعي، الشرعية شرعية 2014 وعلى الحوثي تسليم الحماية لقوات مشتركة، لكن هل يعقل أن يقبل بتلك المسرحية التبادلية بين أتباع الحوثي، ثم يفشل بعدها في تثبيت نقاط مراقبة، ولاحقا يستأجر سفينة في عرض البحر لعقد لقاءات غير ذات جدوى بين الطرفين.

فهل تلعب الأمم المتحدة ضد قراراتها؟ وهل تعمل على كسر هيبتها بين الشعوب!! لماذا لم يظهر هذا الاستنتاج اللئيم إلا في عهد البريطاني جريفيتث؟ هل لأن بريطانيا مثلا تقدمت أكثر من مرة بمشاريع قرارات تجتزئ القرار 2216؟ أم لأن مسلك الحديدة ونقاط المراقبة الذي اختطه المبعوث فشل أيضا؟ أم لأن استكهولم فشل أكثر من عشر مرات في تحقيق أي تقدم؟ أم لأسباب أخرى تتعلق بشخصية وأسلوب أداء مارتن وفريقه الذي يبدو أقل كفاءة من سابقيه برغم كل ما قيل فيهما!! أم لكل ما سبق؟.

يجدر بنا وضع الملف الإنساني كنموذج لفشل المبعوث، ففي الوقت الذي كان وسيطان من كل طرف قد قررا في لحظة ما حل هذا الملف بدون وسيط دولي وتجهزت العائلات للسفر إلى كل من سيئون وصنعاء لاستقبال ذويهما من المختطفين على دفعات، وسط شعور يمني بالزهو لإنجاز هذه الخطوة رغم استمرار الحرب!.. في خضم ذلك يقوم جريفيث باختطاف هذا الملف شبه الناجز إلى استوكهولم وتحقيق نقطة لصالحه، إذا به يفشل على الملأ، ثم بعد نحو عامين من ذلك يعلن من صنعاء استئناف فتح الملف لتمديد فترة بقائه ليس إلا!!

في العاصمة الأردنية عمان وتحديدا أواخر شهر أغسطس الماضي تعرضت مديرة مكتبه لإحراج شديد لدى زيارتها مؤتمرا إنسانيا نظمته الوكالة الفرنسية للصحافة بالتعاون مع مركز الإعلام الاقتصادي بحضور 36 صحفيا يمنيا، عندما فتحوا هذا الملف أمامها كشرط لتحسين التواصل بين مكتب جريفيث وقادة وسائل الإعلام اليمنية، كان ردها واضحا، ليس لدينا علم بأي شيء، المعتقلون من مهام مجلس حقوق الإنسان!!

لقد كشفت هذه الجلسة بوضوح وجلاء حرص المنظمات الأممية على بقاء الوضع اليمني تحت رحمة الملف الإنساني، حيث تم توزيع اليمنيين على موائد المانحين ك"نازحين، ومرضى، وفقراء"، وكان لابد على الصحفيين أن يركزوا في الميثاق الذي نتج عن المؤتمر على الوضع الإنساني!! فهل يعقل أن تضع الأمم المتحدة كل ثقلها على طاولة الملف الإنساني ضاربة عرض الحائط بباقي الملفات ومنها ملف الانقلاب وجرائم الحرب وإسقاط شوكة دولة عضو في الأمم المتحدة!!

إن لم يكون الأمر استرزاقا فماذا عساه أن يكون؟ بعد أكثر من ثمانية أعوام وثلاثة وكلاء للأمين العام وعدد من لجان الخبراء وجنرالات الحرب وعشرات بل ومئات اللقاءات الدولية ومؤتمرات المانحين التي تضخ دخلا مهولا للمنظمة وفروعها ومؤسساتها ودعم سخي من المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، والذي ربما يمثل المكبح الوحيد لمعضلة الترهل الأممي في اليمن.

على أن السؤال المعنون لهذا التقرير سيبقى بدون جواب محدد، ولا سبب لذلك سوى أن الأجندات الدولية والمصالح العليا للممولين للصندوق الأممي هم من عبثوا بإعدادات ضبط خارطة الحل الأممي، فدخلت في المتاهة اليمنية بأجندات عديدة، ليست مصلحة اليمن من بينها، ولا استعادة الشرعية أولى مهامها.

*نقلا عن مجلة المنبر اليمني