إرهاب حوثي وبلائحة.. أين تكمُن خطورة مدونة السلوك المزعومة؟

المدنية أونلاين/

تسييس طائفي للوظيفة العامة، ومخالفة للدستور اليمني والقوانين المعمول بها، هذ ما أقدمت عليه مليشيا الحوثي الإرهابية، في إعلان ما أسمتها مسودة مدونة السلوك الوظيفي في مناطق سيطرتها، والتي بحسب زعمها، أنها صيغت بـأسلوب تربوي لـتهذيب السلوك وزرع القيم وضبط أخلاقيات العمل في وحدات الخدمة العامة.

أما في حقيقتها فهي تحمل طابعاً مذهبياً، وذات انتكاسة جديدة للحقوق المدنية والسياسية لليمنيين، وتعدّ انتهاكاً واضحاً لحق العمل والحق بالوظيفة العامة، كحق مدني مكفول لكل المواطنين، كما أن المليشيا الحوثية كشفت عن توجه لتكريس فكرة الولاية وفرض الوصاية المطلقة على موظفي القطاع الحكومي، مقابل استمرارهم في الوظيفة العامة.

حيث إن الدولة في مفهوم الجماعة تعني الولاية، لا منجز بشري هدفه الأدنى خدمة المواطنين وحمايتهم وحفظ حقوقهم، فإن الولاية في الحكم الإيراني الداعم لمليشيا الحوثي الإرهابية شأن تعبدي، في حقيقته يتصادم كلية مع مبادئ وقيم الدين الإسلامي الحنيف، الذي جاء لتحرير الإنسان من عبودية أخيه الإنسان، كما أنها أي المليشيا وداعميها يريدون إلزام الناس أن يؤدوها امتثالاً وتسليماً، دون أي تشكيك فيها أو أي سؤال عن مبررها.

فالحاكم- الولي- أو علم الهدى حسب التسمية الرسمية للجماعة، هو شكل الدولة ومضمونها ومبتدئها ومنتهاها، وهو علمٌ ملهم من الله ومؤيد به، ولا تجوز مساءلته أو الاقدام على أي تشكيك في قداسته، من هنا تأتي مدونة السلوك الوظيفي بالجزئية التي تجعل من عبد الملك الحوثي مرجعاً مقدسا لدى موظفي الدولة في نفس السياق مع مرجعية القرآن، وهذا جحود وكفر.

أين الخطورة؟

في ديباجة المدونة برر المدعو المشاط أسباب إصدارها، وفق الأسطوانة المشروخة المكرورة، التي يرددونها في كل خطبهم وقرارتهم حسب زعمهم في الاعتزاز بالهوية الإيمانية، وأيضاً تعزيز مسار تصحيح أداء مؤسسات الدولة وكادرها الوظيفي في مختلف مستويات الدولة التي دمرتها الجماعة منذ أن سيطرت على مؤسساتها في العام 2014م.

ومن أخطر ما ورد فيها، دساً للسم في العسل- كما يقال- هي المرجعيات التي ارتكزت عليها تلك المدونة بما أسمته الالتزام حرفياً، وقرنته وساوته بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وهو عهد الإمام علي لمالك الاشتر، وملازم مؤسس المليشيا الحوثية الصريع حسين الحوثي، وخطابات ومحاضرات زعيمها الحالي عبدالملك الحوثي.

كما أن تلك المدونة تصادر حق الحرية الشخصية للموظف الحكومي، إذ تحظر تواصله مع وسائل الإعلام ونشر البيانات والمعلومات والآراء والانتقادات للجماعة على فسادها على منصات التواصل الاجتماعي، كما تلزم الوثيقة الحوثية الموظفين الحكوميين بعـدم الإدلاء لوسـائل الإعلام بأية معلومات، أو النشـر في وسـائل منصة التواصـل الاجتماعي، بـأي معلومـات أو تقـديم أي وثائـق، أو مسـتندات، أو التعليـق، أو التصريـح، أو المداخلة في أي مواضيع خاصة وعامة ذات علاقـة بوحـدات الخدمة العامـة.

ونصت على عدم إصدار الموظفين الحكوميين بيانات أو معلومات، تناهض مليشيا الحوثي والسياسة العامة للسلطة التي تديرها، كما تحظر نشر أي إشكاليات إدارية وعملية أو حتى التعاطي معها في وسائل التواصل الاجتماعي، وتجبر المليشيا عبرها موظفي القطاع العام في مناطق سيطرتها على مقاطعة وسائل الإعلام التي لا تدور في فلك الجماعة ومن خلفها إيران.

الوظيفة مقابل الولاء

وحسب ديباجة المدونة، فإن على كل موظف التوقيع عليها والالتزام بها، وتقع على عاتق المسؤولين الإداريين وضعها في ملف الموظف وتقديم تقارير حول مدى تنفيذ هؤلاء الموظفين وربطها بالرواتب والمكافآت والترقية، كما يُلزم الموظفون في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية- حاليين ومستقبليين- بالمدونة وإخضاعهم بعدة دورات ولقاءات للتعريف بمحتواها وأهمية الالتزام بها.

إضافة إلى إلزام جميع الموظفين بتوقيع تعهد خطي بالالتزام بما جاء فيها، على أن يُحفظ هذا التعهد في ملفه الوظيفي. بالنسبة للموظفين الجدد، ولا يتم استكمال إجراءات التوظيف أو التعيين لشغل الوظيفة العامة إلا بالتوقيع على تعهد الالتزام بالمدونة.

من ناحية أخرى، فإن أي مخالفة لأحكام هذه المدونة تستوجب المساءلة واتخاذ الإجراءات والعقوبات التأديبية والجزائية، وفقاً للقوانين والأنظمة ذات العلاقة، طبعا القوانين الخاصة بالمليشيات وليس قوانين ولوائح وتشريعات الدولة اليمنية، فيما تجاهلت مرتبات موظفي الدولة وحقوقهم في الترقيات والعلاوات والإجازات والتدريب والرعاية الصحية.

إلى ماذا تهدف؟

لمليشيا الحوثي الإرهابية من خلال فرض بنود مدونتها المزعومة أهداف كثيرة، منها آنية وأخرى على المدى البعيد، منها إرغام الناس على اتباع مذهب فكري معين، وهو مذهب الشيعة الإيراني القائم على مبدأ الولاية وأحقية الحكم لصالح الأسر السلالية، التي تريد أن تحكم اليمنين بالقوة، وإلا فإنهم غير مستحقين للوظيفة العامة.

كما تهدف إلى إجبار الموظفين في المشاركة بإحياء المناسبات الطائفية والتفاعل الجاد مع ما تدعي أنها دورات ثقافية وبرامج تربوية، والتي يتم فيها تلقين الموظفين خطابات زعيمهم السيء وكتاباته، وإلزام موظفي القطاع الحكومي بالتوقيع على تعهدات ما ورد في الوثيقة، التي تعدت كونها وثيقة إدارية لتكون وثيقة فكرية ومذهبية مقيتة، تهدف من وراء هذا الإلزام مصادرة حرية الفكر والمعتقد.

عن ذلك تؤكد الحكومة اليمنية أن هذه المدونة تهدف إلى أدلجة الوظيفة العامة، ومقايضة موظفي الدولة بين الانضمام إلى الحوثية الإرهابية وحضور دوراتها الطائفية، “والالتزام بدعوات التعبئة والتحشيد والتجنيد الاجباري للقتال، والانخراط في الانشطة والطقوس الطائفية المستوردة من إيران، أو الفصل من الوظيفة”.

وقال وزير الإعلام والثقافة والسياحة، معمر الإرياني إن “مدونة السلوك الوظيفي” التي أعلنتها مليشيا الحوثي الإرهابية، تعدّ عقابًا جماعيًا لمئات الآلاف من موظفي الدولة “ممن نُهبت مرتباتهم منذ 8 سنوات، وتريد تحويلهم لمجرد “قطيع” في مسيرتها الظلامية التي تُدار بالريموت كنترول من طهران”، داعيًا موظفي قطاعات الدولة اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين، إلى “إعلان رفضهم لمضامين المدونة التي تعد انقلابا على الدستور والقانون واللوائح والنظم الادارية، ولغة العصر، ومصادرة للحقوق والحريات التي كفلتها كافة الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، واستخفافا واستهانة بآدميتهم وكرامتهم”.

الإرياني، طالب المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمبعوثين الأممي والأمريكي إلى اليمن، بـ”مغادرة مربع الصمت وإدانة هذه الممارسات الخطيرة التي تكشف الوجه الحقيقي لمليشيا الحوثي الإرهابية، ومساعيها لأدلجة وتطييف المجتمع والدولة وفق أفكارها الظلامية المتخلفة، واستنساخ الثورة الخمينية، وتهدد بنسف اي فرص لإحلال السلام”.

رفض شعبي واسع

مدونة مليشيا الحوثيين الطائفية، لقيت رفضاً وانتقادات شعبية كبيرة، وذلك على مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبارها أولاً مخالفة للقوانين وخرقاً كبيراً للدستور اليمني، بل مخالفة للطبيعة والفطرة البشرية ومنتهكة للحقوق العامة، وجاءت فقط تلبية لطموحات طائفية عنصرية، غايتها إقصاء اليمنيين من الوظيفة العامة، وحصرها بالسلالة الفارسية.

كما أنها محاولة تسييس طائفي يرفضها عامة اليمنيين، ولا يرون فيها سوى أنها ستحول الموظفين إلى عبيد بلا رأي ولا فكر ولا حرية ولا كرامة ولا راتب ولا انتماء للوطن، كما تمنع الموظف من المطالبة بحقوقه وتلزمه بالعمل بدون راتب، وتلزمه بأن يتحول إلى أداة لحشد المقاتلين والمتجمهرين حسب طلب وبتوجيهات المشرفين.

*نقلاً عن سبتمبرنت